السيد محمد الصدر
128
ما وراء الفقه
أحد يسرد قصة ، بل خصوص أناس معينين سنذكرهم عما قليل . ولا أقل من الانصراف إليهم أو احتمال ذلك ، مما يكون مبطلا للاستدلال . وذلك : أنه كان من عادة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام أن يجلس الخبير والعالم أمام مجموعة من الناس فيلقي عليهم محاضراته . ولم تكن تلك المحاضرات ، إلَّا بما يناسبهم في ذلك الحين وهي التمجد بأخبار الماضين وحروبهم وشجاعاتهم ومكارمهم وغير ذلك . فتكون المحاضرات عبارة عن سرد نتف من التاريخ القديم لأجل أن يحفظه الجيل المتأخر . والتاريخ عبارة عن مجموعة قصص لا أكثر ولا أقل . فكان أن سمي الواحد من هؤلاء ( قاصا ) يعني قصصيا يسرد أخبار الأولين . ثم اتسع الأمر خلال الخلافة الأموية وغيرها إلى تعرض القاص إلى أمور أخرى لا ترضي اللَّه سبحانه وتعالى ، كوضع الأخبار الملفقة والكذب في نقل التاريخ وإضحاك الناس بالباطل . وربما توصلت الدولة يومئذ إلى استغلال هؤلاء القصاص إلى الدعاية والإعلام في مصلحة الدولة والخليفة ، والطعن بالأعداء والمعارضين ، فيتحول الكلام إلى كلام مذهبي وسياسي ، وإلى مجموعة مدائح بقوم وطعون وشتائم للآخرين . فهؤلاء هم القصاص الذين كان المجتمع يعهدهم في تلك الأجيال وهي الأجيال التي عاش الأئمة المعصومون خلالها . وذلك القاص هو الذي ينصرف إليه الذهن ويحصل الاطمئنان والوضوح بقصد النهي عن القصة إليه . محاربة من قبل الأئمة عليهم السلام لهذا الوضع النشاز غير المرضي للَّه عزّ وجلّ . إذن ، فالقاص المنهي عنه هو ذاك وليس كل أحد يسرد القصة . ولا أقل من احتمال ذلك . الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الاستدلال . المستوي الثالث : في مناقشة هذا الدليل السادس . إننا لو سلمنا شمول هذا النهي لكل قاص ، فإنه لا يمكن الاعتراف به فقهيا على سعته وإطلاقه ، بل لا بدّ من